من إسقاط النظام إلى تأسيس الدولة
الجمعية الوطنية التأسيسية
مداخلة حول أحداث ليبيا وفكرة الجمعية الوطنية التأسيسية
ا. د. احتيوش فرج احتيوش
لن نعيد اليوم فتح جراح الماضي، ولن نبحث عن منتصر ومهزوم، ولن ندافع عن هذا سابق أو ندين ذاك.
ولأن ليبيا ما زالت تعيش آثار مرحلة غيّرت تاريخها، ولأن السؤال الذي كان ينبغي أن نطرحه منذ الأيام الأولى بعد سقوط النظام ما زال مطروحاً أمامنا:
ماذا سنبني بعد أن أسقطنا النظام؟
لقد كانت السنوات التي بدأت في 2011 سنوات صعبة على ليبيا والليبيين.
سقط النظام، لكن سقوط النظام لم يعنِ تلقائياً قيام الدولة التي كان بعض الليبيون يحلمون بها.
وهنا يجب أن نفرّق بين أمرين:
إسقاط النظام شيء، وبناء الدولة شيء آخر.
إسقاط النظام قد يحدث في أيام أو أشهر.
أما بناء الدولة فيحتاج إلى سنوات من المؤسسات والقوانين والعدالة والمصالحة والثقة.
لقد دخلنا مرحلة ما بعد 2011 ونحن لا نملك اتفاقاً وطنياً واضحاً حول شكل الدولة التي نريد بناءها.
وهنا بدأت المشكلة.
سبق السلاحُ المؤسسة.
وسبق الانقسامُ التوافق.
وسبقت المدينةُ الوطن.
وسبقت الرغبة في الانتقام الحاجةَ إلى العدالة.
وأصبح السؤال حول من يملك القوة أهم من السؤال حول من يملك الشرعية.
ثم جاءت السنوات التالية بما حملته من صراعات وانقسامات، حتى أصبحت ليبيا تواجه أكثر من مركز للسلطة، ومؤسسات متنافسة، وجماعات مسلحة ذات نفوذ، وتدخلات خارجية، وصراعاً مستمراً على الموارد ومؤسسات الدولة.
لكن علينا أن نكون منصفين.
فلا يمكن أن نضع مسؤولية ما حدث على طرف واحد.
هناك مسؤولية للقوى السياسية.
وهناك مسؤولية للجماعات المسلحة.
وهناك مسؤولية للسلطات الانتقالية والحكومات المتعاقبة.
وهناك مسؤولية للتدخلات الخارجية.
وهناك مسؤولية للنخب والمجتمع عندما عجزنا جميعاً عن الوصول إلى قاعدة وطنية مشتركة.
لكن المسؤولية التاريخية لا ينبغي أن تتحول إلى حرب أبدية على الماضي.
نحن لا نستطيع تغيير ما حدث، لكن نستطيع أن نقرر ماذا نتعلم منه.
وهنا يأتي السؤال الأهم:
ماذا تعلمنا؟
تعلمنا أن إسقاط النظام لا يكفي.
تعلمنا أن السلاح لا يستطيع أن يبني دولة.
تعلمنا أن الانتخابات وحدها لا تكفي إذا لم توجد قواعد دستورية ومؤسسات تحمي نتائجها.
تعلمنا أن النفط يمكن أن يكون ثروة وطنية عظيمة، لكنه يمكن أيضاً أن يصبح سبباً للصراع إذا لم توجد مؤسسات وطنية متفق عليها لإدارته.
وتعلمنا أن المصالحة ليست تنازلاً عن العدالة، وأن العدالة ليست انتقاماً.
وتعلمنا أن الدولة لا يمكن أن تكون ملكاً لمدينة، أو قبيلة، أو منطقة، أو حزب، أو جماعة مسلحة، أو فرد.
الدولة ملك لجميع مواطنيها.
ومن هنا جاءت فكرة الجمعية الوطنية التأسيسية.
هذه الفكرة ليست دعوة للعودة إلى الماضي، وليست محاولة لإنشاء سلطة جديدة فوق السلطات، وليست بديلاً دائماً عن الانتخابات.
إنما هي، في جوهرها، محاولة للإجابة عن سؤال أعمق:
كيف نضع الأساس الذي يجعل الدولة قادرة على الاستمرار بعد انتهاء كل مرحلة انتقالية؟
جمعية وطنية تأسيسية تقوم على التمثيل الواسع، والحوار، والتوافق، والشفافية، وتعمل ضمن مدة واختصاصات محددة، وتكون مهمتها الأساسية معالجة الأساس الدستوري والمؤسسي للدولة.
نريد أن ننتقل من مرحلة: من يحكم؟
إلى مرحلة: كيف تحكم الدولة؟
ومِن: مَن يملك السلاح؟
إلى: مَن يملك الشرعية القانونية لاستخدام القوة؟
ومِن: مَن يحصل على النفط؟
إلى: كيف تدار ثروة الليبيين جميعاً؟
ومن: أي مدينة تنتصر؟
إلى: كيف تنتصر ليبيا؟
ولهذا فإن الملتقيات واللقاءات الوطنية في المدن والمناطق ليست هدفها إنشاء مراكز نفوذ جديدة.
بل يمكن أن تكون مساحات للاستماع إلى الليبيين، وجمع آرائهم، ومناقشة مستقبل الدولة، وشرح المبادئ الدستورية، وبناء جسور التواصل بين الشرق والغرب والجنوب والشمال.
من البيضاء وبنغازي وأوجلة، إلى طرابلس ومصراته وصبراتة وزوارة وغريان، وإلى كل مدينة وقرية في ليبيا، يجب أن يكون المواطن شريكاً في التفكير في الدولة التي يريدها.
لقد عشنا سنوات كثيرة نتحدث فيها عن:
من كان مع النظام؟
ومن كان ضده؟
من انتصر؟
ومن خسر؟
من يملك الشرعية؟
ومن يملك السلاح؟
لكن ربما حان الوقت لكي نطرح سؤالاً مختلفاً:
كيف نخرج جميعاً من هذه الدائرة؟
لا نريد ثورة جديدة على الدولة.
ولا نريد حرباً جديدة من أجل السلطة.
ولا نريد عودة إلى الماضي.
نريد أن نؤسس دولة تستطيع أن تتغير من خلال القانون، لا من خلال السلاح.
دولة تنتقل فيها السلطة بالوسائل الدستورية.
دولة يكون فيها الجيش جيشاً وطنياً.
والشرطة مؤسسة قانونية.
والقضاء مستقلاً.
والثروة العامة ملكاً لكل الليبيين.
والمدينة جزءاً من الوطن، لا بديلاً عنه.
والقبيلة مكوّناً اجتماعياً محترماً، لا سلطة فوق الدولة.
والحزب وسيلة للمشاركة السياسية، لا طريقاً لامتلاك الدولة.
والجمعية الوطنية التأسيسية، إن اختار الليبيون هذا المسار، يجب أن تكون جسراً إلى هذه الدولة، لا مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية.
لقد انتهى زمن السؤال: من أسقط النظام؟
والآن يجب أن يبدأ زمن السؤال:
من سيؤسس الدولة؟
والجواب الذي نبحث عنه ليس شخصاً ولا مدينة ولا قبيلة ولا حزباً.
الجواب هو: الليبيون جميعاً، عندما يتفقون على قواعد دولة واحدة يتساوى أمامها الجميع.
وهذا هو جوهر فكرة الجمعية الوطنية التأسيسية:
أن ننتقل من إسقاط النظام إلى تأسيس الدولة،
ومن إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل،
ومن التأسيس بالمغالبة إلى التأسيس بالتوافق،
ومن المصالحة كخطاب إلى المصالحة كطريق لبناء الدولة.
#الجمعية_الوطنية_التأسيسية
#الحراك_الوطني_نعم_ليبيا
#ا_د_احتيوش_فرج_احتيوش