الجمعية الوطنية التأسيسية 1

الجمعية الوطنية التأسيسية من إسقاط النظام إلى بناء الدولة

 

ا. د. احتيوش فرج احتيوش 

 

هناك تواريخ لا تبقى مجرد أرقام في التقويم، بل تتحول إلى علامات فارقة في ذاكرة الأمم. ومن بين هذه التواريخ يبرز عام 1871 في فرنسا، و 2011 في ليبيا.

وبين التاريخين مائة وأربعين عامًا، وتفصل بينهما ظروف سياسية واجتماعية وحضارية مختلفة، ولذلك لا يجوز وضعهما في كفة واحدة أو اعتبارهما تجربتين متطابقتين. لكن المقارنة بينهما تفتح بابًا مهمًا للتأمل في سؤال أكبر من الاحدث نفسها:

ماذا يحدث للدولة عندما يسقط النظام الذي حكمها؟

وهنا تكمن قيمة المقارنة.

 

من سقوط النظام إلى بناء الدولة

في فرنسا، جاءت أحداث 1871 بعد هزيمة عسكرية قاسية أمام بروسيا وحلفائها، وسقوط الإمبراطور نابليون الثالث. وفي أعقاب انهيار الإمبراطورية الثانية، دخلت فرنسا مرحلة انتقالية شديدة التعقيد: جمهورية جديدة، جمعية وطنية، صراع بين الجمهوريين والملكيين، ثم كومونة باريس.

وفي 1871 اختارت الجمعية الوطنية أدولف تيير على رأس السلطة التنفيذية. لم يكن ذلك مجرد تغيير في الشخص الذي يتولى السلطة، بل كان جزءًا من عملية أوسع لإعادة تنظيم الدولة بعد انهيار النظام السابق.

لكن فرنسا لم تستقر بمجرد سقوط الإمبراطورية. بل دخلت مرحلة جديدة من الصراع حول من يملك الشرعية، وما شكل الدولة، ومن يملك القرار السياسي والعسكري.

ثم جاءت كومونة باريس، لتكشف أن إسقاط النظام القديم لا يعني بالضرورة الاتفاق على النظام الجديد.

وهذه واحدة من أهم دروس التجربة الفرنسية.

 

2011: الاحداث في ليبيا

في ليبيا، كانت سنة 2011 بداية انتفاضة تحولت إلى ثورة مسلحة ثم إلى حرب شرسة، وانتهت بسقوط النظام.

كان ذلك لحظة تاريخية كبرى في حياة الليبيين.

لكن كما حدث في فرنسا قبل ذلك بقرن واربعة عقود من التحولات السياسية، فإن السؤال الأصعب لم يكن:

كيف نسقط النظام؟

بل كيف نبني الدولة بعد سقوطه

فالأنظمة السياسية يمكن أن تسقط في أسابيع أو أشهر، لكن بناء الدولة يحتاج إلى سنوات، وربما أجيال.

وهنا ظهر الفرق بين الثورة بوصفها فعلًا سياسيًا والدولة بوصفها مشروعًا مؤسسيًا.

المشكلة ليست في إسقاط القديم فقط

من الأخطاء المتكررة في تجارب الانتقال السياسي الاعتقاد بأن إزالة النظام القديم تعني تلقائيًا ولادة نظام جديد.

لكن الدولة ليست شخصًا.

الدولة هي:

مؤسسات.

قانون.

إدارة.

قضاء.

جيش وشرطة.

نظام مالي.

تعليم وصحة.

بنية اقتصادية.

ثقافة سياسية.

وقبل كل ذلك، عقد اجتماعي يعرف المواطن والوطن والدولة ويؤسس ويحدد علاقة المواطن بالدولة ويوضح الواجبات والحقوق.

ولهذا فإن أخطر مرحلة في تاريخ الانتفاضات والثورات ليست دائمًا مرحلة إسقاط النظام، وإنما المرحلة التي تليها.

فإذا لم تنجح الانتفاضةوالاحداث والثورة في تحويل القوة الشعبية إلى مؤسسات، فقد يتحول الفراغ الذي خلفه سقوط النظام إلى ساحة صراع بين القوى الجديدة.

 

فرنسا اختارت طريق المؤسسات

لم تكن الجمهورية الثالثة نتيجة طريق سهل ومستقيم أو هادئ.

كانت فرنسا تعيش انقسامات عميقة، وواجهت حربًا أهلية في كومونة باريس وميليشياتها وحكومة فرنسا في فرساي، وصراعًا بين الملكيين والجمهوريين، وأزمات سياسية متكررة.

لكن مع مرور الوقت استطاعت فرنسا أن تحول الصراع السياسي إلى صراع داخل المؤسسات بدل أن يبقى صراعًا على وجود الدولة نفسها.

ثم جاءت القوانين الدستورية لعام 1875 لتمنح الجمهورية إطارًا مؤسسيًا أكثر استقرارًا.

وهنا يكمن درس بالغ الأهمية:

الديمقراطية لا تقوم وتستقر بمجرد إجراء الانتخابات، وإنما عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص والجماعات والطوائف والقبائل والعشائر والاحزاب.

 

ليبيا: المشكلة التي لم تُحسم

أما ليبيا، فقد بقيت منذ 2011 تعاني من السؤال نفسه بدرجات مختلفة:

من يمثل الدولة؟

ومن يملك الشرعية؟

ومن يحتكر القوة المسلحة؟

وكيف تُبنى مؤسسات وطنية موحدة؟

وكيف يتحول الاختلاف السياسي من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة؟

إن استمرار الانقسام لا يعني أن الليبيين عاجزون عن بناء دولتهم، وإنما يعني أن عملية الانتقال من منطق الانتفاضة والفوضى والثورة إلى منطق الدولة لم تكتمل بعد.

وهذا التفريق مهم جدًا.

فالثورة تحتاج إلى التعبئة.

أما الدولة فتحتاج إلى التنظيم.

الثورة تحتاج إلى كسر القيود.

أما الدولة فتحتاج إلى القانون.

الثورة تبحث عن التغيير.

أما الدولة فتحتاج إلى الاستقرار.

والتحدي الحقيقي هو أن تتحول الطاقة التي صنعت الثورة إلى طاقة تبني المؤسسات.

لا ينبغي أن تصبح الثورة دولة

وهنا نصل إلى نقطة أعمق.

الثورة بطبيعتها تقوم على الاستثناء، وعلى الحشد، وعلى كسر المألوف.

لكن الدولة لا تستطيع أن تُدار بمنطق الاستثناء إلى الأبد.

إذا بقيت الدولة أسيرة منطق الانتفاضة والفوضى والثورة، فقد تتحول كل أزمة إلى معركة وجود، وكل خلاف سياسي إلى تخوين، وكل اختلاف في الرأي إلى تهديد.

أما الدولة الحديثة فتقوم على قاعدة مختلفة:

نختلف، لكننا لا نهدم الدولة.

نتنافس، لكننا لا نحتكر الوطن.

نخسر الانتخابات، لكننا لا نخسر حقنا في الوطن.

نختلف حول الحكومة، لكننا نتفق على بقاء الدولة.

وهذا هو التحول الحقيقي من الثورة إلى الجمهورية.

 

هل الانتفاضة، الفوضى والثورة: ذكرى أم مشروع؟

ربما يكون السؤال الأهم بالنسبة لليبيا اليوم:

هل نريد أن تبقى أحداث 2011 مجرد ذكرى؟ أم نريد أن نجعله مشروعًا؟

إذا كان ما حدث في 2011 مجرد ذكرى سياسية، فسوف يبقى موضوعًا للخلاف بين الليبيين حول تفسيره ومن يمثلونه ومن ناصره ومن خانه ومن استثمره سياسيًا.

أما إذا نظرنا إليه باعتباره بداية مشروع وطني، فإن معناه يصبح أوسع من الأشخاص والجماعات والقبائل والمدن المنتصر منها وغير المنتصر.

ويصبح السؤال:

ماذا فعلنا بعده لبناء دولة القانون؟

ماذا فعلنا لبناء جيش وطني؟

ماذا فعلنا لبناء قضاء مستقل؟

ماذا فعلنا لبناء جامعة ومدرسة ومستشفى ومؤسسة عامة تعمل وفق معايير مهنية؟

ماذا فعلنا لبناء اقتصاد لا يعتمد على توزيع الريع وإنما على الإنتاج؟

وماذا فعلنا لكي يشعر المواطن أن الدولة ملك له وليست ملكًا لمن يحكمها؟

الدرس الفرنسي لا يقول لليبيا: انسخي فرنسا

لا يمكن استيراد التاريخ.

ليبيا ليست فرنسا، وفرنسا في 1871 ليست ليبيا في 2011.

لكن التاريخ لا يقدم لنا وصفات جاهزة، وإنما يقدم لنا أسئلة ودروسًا.

والدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه من التجربة الفرنسية هو أن الانتصار الحقيقي للثورة لا يتحقق بسقوط النظام القديم، وإنما عندما تنجح الأمة في بناء نظام مؤسسي يجعل سقوط أي حكومة أو قائد أمرًا طبيعيًا لا يؤدي إلى سقوط الدولة نفسها.

هذه هي الدولة التي تستحق أن تُبنى.

 

استرداد المستقبل

لقد مرت ليبيا منذ 2011 بمراحل مؤلمة، وخاض الليبيون صراعات سياسية وعسكرية، وتبدلت الحكومات والتحالفات، وظهرت مؤسسات موازية ومراكز نفوذ متعددة.

لكن كل ذلك لا ينبغي أن يقود إلى اليأس.

فالأمم لا تُقاس فقط بعدد المرات التي أخفقت فيها، وإنما بقدرتها على التعلم من إخفاقاتها.

وقد يكون المطلوب اليوم ليس ثورة جديدة، ولا صراعًا جديدًا، وإنما تغيير في طريقة التفكير:

من الأشخاص إلى المؤسسات.

من الولاء للمنطقة إلى الولاء للدولة.

من منطق الغلبة والغنيمة إلى منطق القانون.

من توزيع السلطة إلى بناء المؤسسات.

من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

ومن سؤال:

من يحكم ليبيا؟

إلى السؤال الأكثر أهمية:

كيف نحكم ليبيا؟

 

الخاتمة

بين 17 فبراير 1871 و17 فبراير 2011 مسافة زمنية هائلة، لكن التاريخ يضع أمامنا سؤالًا مشتركًا:

ماذا تفعل الأمة بعد أن تسقط مرحلة كاملة من تاريخها؟

فرنسا احتاجت سنوات طويلة وصراعات وأزمات حتى تحول الجمهورية من فكرة متنازع عليها إلى مؤسسة مستقرة.

وليبيا ما زالت أمام هذا التحدي.

ولذلك فإن أفضل وفاء لـمن ضحوا في هذه الاحداث ليس الاحتفال فقط، ولا تمجيد الأشخاص، ولا تحويل الاحداث إلى ملكية سياسية لفئة دون أخرى.

بل أن يتحول إلى مشروع لبناء دولة.

دولة لا يكون فيها المواطن تابعًا للحاكم بل الحاكم خادماً للوطن وللمواطن، ولا تكون فيها المؤسسة رهينة للفرد، ولا يكون فيها السلاح فوق القانون، ولا تكون فيها الوطنية شعارًا في المناسبات.

دولة يكون فيها الاختلاف السياسي طبيعيًا، وتداول السلطة ممكنًا، والقانون فوق الجميع، والمؤسسات أقوى من الأشخاص.

فالثورة قد تبدأ في يوم.

لكن الدولة لا تُبنى في يوم.

وإذا كانت احداث 2011 قد فتحت باب التغيير، فإن مسؤولية الأجيال التي جاءت بعدها هي أن تفتح الباب الآخر:

باب بناء ليبيا الحديثة. لإخراج ليبيا من الوضع القائم، عن طريق مشروع وطني شامل يركز على المصالحة بالتأسيس والتأسيس بالمصالحة، والعدالة التصالحية، بحيث يجمع بين الجوانب السياسية، الاجتماعية، العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، المالية، والإعلامية. عن طريق الجمعية الوطنية التأسيسية، انطلاقا من الجمعية الوطنية الفرنسية والجمعية الوطنية التي انشأها شيخ الشهداء عمر المختار خلال قيادته للجهاد ضد الغزاة.

وفيما يلي الخطوط العريضة لهذا المشروع:

1. المصالحة الوطنية

   - إطلاق مبادرة مصالحة شاملة: تبدأ بحوار وطني يجمع كافة الأطياف السياسية والقبلية والاجتماعية تحت مظلة واحدة، وتحت مسمى الجمعية الوطنية التأسيسية، بلا اقصاء ولا تهميش ولا احتراب ولا مغالبة.

   - تكليف مؤسسة للعدالة التصالحية: تشرف على التحقيق في الانتهاكات الماضية وتعويض الضحايا، وتهدف للعدالة التصالحية واشراك الضحية والجاني والمجتمع في حوار يساعد في بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع الليبي.

2. التأسيس الدستوري والمؤسسي:

   - دستور يتوافق عليه جميع الليبيين، يُرسي مبادئ الدولة المدنية، ويفصل بين السلطات، ويضمن حقوق الإنسان.

   - إعادة بناء المؤسسات: تأسيس مؤسسات وطنية قوية خاضعة للقوانين، تتمتع بالشفافية والمساءلة، بما في ذلك الجيش، الشرطة، والهيئات القضائية.

3. السياسة والأمن:

   - إعادة بناء الجيش والشرطة: تحت قيادة موحدة تحتكر السلاح كل حسب اختصاصه وبعيدة عن الولاءات القبلية والسياسية، لتأمين البلاد ومكافحة الترويع وليس الارهاب.

   - نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج: برامج تهدف إلى دمج المقاتلين السابقين في المجتمع المدني بالجزرة والعصا.

4. التنمية الاقتصادية والمالية:

   - خطة تنمية اقتصادية شاملة: تهدف إلى إعادة إعمار البنية التحتية وتعزيز القطاعات الحيوية كالزراعة، الصناعة، والسياحة، بجهود القطاعين العام والخاص في شكل تكاملي.

   - إصلاح النظام المالي: لتعزيز الشفافية والحد من الفساد، مع دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتعزيز الاقتصاد المحلي.

5. التنمية الاجتماعية:

   - التركيز على التعليم: إنشاء برامج تعليمية وطنية تهدف إلى بناء قدرات الشباب الليبي وتأهيلهم للمشاركة في بناء الدولة.

   - الرعاية الصحية: تحسين الخدمات الصحية وتوسيع نطاقها لتشمل كافة المناطق.

6. الإعلام:

   - إعلام حر ومستقل وملتزم: إنشاء وسائل إعلام وطنية حرة تعمل على نشر الحقائق وتعزيز روح الوحدة الوطنية، وتقديم صورة إيجابية عن ليبيا.

   - حملات توعية وطنية: تهدف إلى تعزيز مفهوم المواطنة، التسامح، والعيش السلمي. 

7. الإصلاح العسكري والأمني:

   - دمج الميليشيات: في الجيش الوطني كأفراد وليس كمجموعات أو إعادة تأهيلهم للعمل المدني وفق برامج محددة.

   - تطوير استراتيجية أمنية: تتضمن حماية الحدود ومكافحة التهريب والتطرف.

8. الدعم الدولي:

   - تعزيز الشراكات الدولية: مع الدول الصديقة التي ترتبط معنا بمصالح مشتركة والمنظمات الدولية لدعم تنفيذ هذا المشروع وتحقيق الاستقرار.

 

هذا المشروع يتطلب تضافر الجهود الوطنية وتعاون دولي من أجل تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وبناء الدولة الليبية على أسس جديدة تضمن استقرارها وازدهارها.

Screenshot 20260930 214642 Word

There are no comments posted here yet

أترك تعليق

  1. Posting comment as a guest. Sign up or login to your account.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location