الجمعية الوطنية التأسيسية:الضرورة والحاجة السياسة والامن والقوة.
المصالحة تحتاج إلى دولة، والدولة تحتاج إلى أمن
في أهمية المسار الأمني والعسكري كمدخل للحل السياسي في ليبيا
قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(البقرة: 216)
ليس المقصود من استحضار هذه الآية الدعوة إلى الحرب أو تمجيد القوة، وإنما التذكير بحقيقة سياسية وإنسانية كثيراً ما نتجاهلها: قد تكون الوسيلة التي لا نرغب فيها أحياناً هي الطريق الضروري للوصول إلى الغاية التي نريدها.
وفي الحالة الليبية، ربما آن الأوان للخروج من الثنائية العقيمة التي تضعنا أمام خيارين متناقضين: إما الحل السياسي أو الحل العسكري.
الحقيقة أن الدول التي خرجت من أزمات وحروب أهلية طويلة لم تفعل ذلك بالسياسة وحدها، ولا بالسلاح وحده؛ وإنما عندما تلازم بناء السلطة السياسية مع بناء القوة الشرعية التي تحميها.
فلا سياسة بلا أمن، ولا مصالحة بلا دولة، ولا دولة بلا مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، ولا ديمقراطية يمكن أن تستقر في ظل تعدد مراكز القوة والسلاح.
المشكلة الليبية ليست سياسية فقط
منذ سنوات طويلة يجري التعامل مع الأزمة الليبية باعتبارها أزمة خلاف سياسي بين أطراف يمكن جمعها حول طاولة واحدة، ثم الاتفاق على حكومة أو مجلس أو قاعدة دستورية.
لكن الأزمة أعمق من ذلك.
إنها أزمة دولة فقدت احتكارها المشروع للقوة، وتعددت فيها مراكز القرار الأمني والعسكري، وأصبحت الخريطة السياسية في كثير من الأحيان انعكاساً لخريطة القوة على الأرض.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من يحكم ليبيا؟
بل السؤال الأسبق:
من يحمي الدولة الليبية؟ ومن يحتكر السلاح الشرعي باسمها؟ ومن يضمن تنفيذ ما يتفق عليه الليبيون؟
فالوثيقة السياسية مهما كانت جيدة، لا تستطيع وحدها أن تمنع الحرب، ولا تستطيع وحدها أن تنزع السلاح، ولا تستطيع وحدها أن تفرض القانون.
إن السياسة تحتاج إلى قوة تحميها، والقوة تحتاج إلى شرعية سياسية تضبطها.
وهنا تحديداً تظهر أهمية المسار الأمني والعسكري باعتباره جزءاً أصيلاً من الحل السياسي، وليس بديلاً عنه.
منطق الدولة: المصالحة تحتاج إلى قوة تحميها
كثيراً ما نتحدث عن المصالحة الوطنية وكأنها مجرد مؤتمر يجتمع فيه الخصوم، ويتبادلون الكلمات الطيبة، ثم يوقعون وثيقة.
لكن المصالحة الحقيقية ليست ورقة.
المصالحة هي إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين مكونات المجتمع، وبين المؤسسات، وبين الأقاليم، وبين الجيش والشرطة والسلطة المدنية.
وهذا لا يمكن أن يحدث في ظل وجود جماعات مسلحة متعددة، أو مؤسسات أمنية متوازية، أو مناطق تخضع لأكثر من مركز قوة.
لذلك فإن:
المصالحة تحتاج إلى تأسيس، والتأسيس يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية.
ومن هنا يمكن صياغة المعادلة الليبية الجديدة:
المصالحة بالتأسيس، والتأسيس بالمصالحة.
فلا يمكن أن نبني دولة موحدة من دون مصالحة، ولا يمكن أن تنجح المصالحة من دون دولة موحدة.
فرنسا 1871: عندما أصبحت وحدة الدولة قضية وجود
تقدم فرنسا في القرن التاسع عشر مثالاً تاريخياً مهماً، وإن كان لا يجوز إسقاطه بصورة حرفية على الحالة الليبية.
بعد هزيمة فرنسا أمام بروسيا وسقوط الإمبراطورية الثانية، أُعلنت الجمهورية في سبتمبر 1870. وفي فبراير 1871 انتُخبت الجمعية الوطنية في ظروف الحرب، وكانت ذات أغلبية ملكية في حين كان مستقبل النظام السياسي الفرنسي نفسه غير محسوم. تولى أدولف تيير السلطة التنفيذية، وانتقلت الجمعية الوطنية إلى فرساي في مارس 1871 بعد اندلاع التمرد في باريس.
ثم اندلعت كومونة باريس، وأصبحت العاصمة عملياً في مواجهة الحكومة القائمة في فرساي.
وهكذا أصبحت فرنسا أمام واقع شديد الخطورة:
سلطة سياسية في فرساي، وسلطة ثورية مسلحة في باريس.
لم يكن الصراع مجرد خلاف انتخابي أو دستوري، بل أصبح صراعاً على من يمثل الدولة الفرنسية ومن يملك السلطة الفعلية على الأرض.
استمر الصراع حتى ما عرف بـ«الأسبوع الدامي» في مايو 1871، عندما هُزمت الكومونة عسكرياً على يد قوات الحكومة. وتذكر الجمعية الوطنية الفرنسية أن الحرب الأهلية بين قوات فرساي وأنصار الكومونة انتهت عسكرياً في 28 مايو 1871.
لكن الأهم أن فرنسا لم تتوقف عند الانتصار العسكري.
فبعد إنهاء الانقسام المسلح، بدأت عملية سياسية ومؤسساتية طويلة انتهت إلى ترسيخ الجمهورية الثالثة عبر القوانين الدستورية لعام 1875. وتؤكد المصادر الرسمية الفرنسية أن الجمهورية الثالثة لم تُحسم مؤسسياً بمجرد انتهاء الصراع العسكري، وإنما تبلورت دستورياً لاحقاً.
وهنا تكمن العبرة:
القوة أنهت ازدواجية السلطة، والسياسة بنت النظام الذي جاء بعدها.
لم تكن القوة هي النهاية؛ كانت شرطاً لعودة الدولة إلى امتلاك المجال العام، ثم جاءت عملية التأسيس السياسي والمؤسسي لتمنح ذلك الانتصار شكله الدستوري المستدام.
وهذه نقطة بالغة الأهمية في فهم الحالة الليبية.
التاريخ لايعطي حلول
التاريخ يعطي دروس
ليبيا أيضاً عرفت أن الجهاد يحتاج إلى تنظيم ومؤسسة
وفي التاريخ الليبي نفسه نجد درساً آخر.
لقد أدرك الليبيون خلال مرحلة الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي أن المقاومة لم تكن مجرد فعل عسكري عشوائي، بل احتاجت إلى قيادة وتنظيم ومجالس ومرجعيات سياسية واجتماعية.
وهنا يجب التمييز تاريخياً بين الجهاد الذي قاده شيخ الشهداء عمر المختار وبين التنظيمات السياسية التي ظهرت لاحقاً.
فالجمعية الوطنية الليبية في مرحلة ما قبل الاستقلال، لعبت دوراً مؤسسياً في وضع الأسس الدستورية للدولة الليبية،
وهنا تبرز واحدة من أعظم الدروس في التجربة الليبية:
الجهاد وحده لم يكن كافياً لبناء الدولة، والسياسة وحدها لم تكن كافية لتحقيق الاستقلال؛ بل انتقل الليبيون من المقاومة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى الدستور، ومن الدستور إلى الدولة المستقلة.
ما الذي يعنيه ذلك لليبيا اليوم؟
يعني أن علينا أن نتوقف عن انتظار «الحل السياسي السحري».
فالسياسة ليست مجرد انتخابات.
والانتخابات ليست دولة.
والدستور ليس دولة.
والحكومة ليست دولة.
كل هذه عناصر في بناء الدولة، لكن الدولة تبدأ عندما تكون هناك سلطة شرعية واحدة، وسلاح شرعي واحد، وقانون واحد، ومؤسسات أمنية وعسكرية وطنية واحدة.
ولهذا فإن أي مشروع للحل في ليبيا يتجاهل الملف الأمني والعسكري هو مشروع ناقص بطبيعته.
بل إن أخطر ما يمكن فعله هو أن ننجح في توقيع اتفاق سياسي بينما تبقى مراكز القوة المسلحة خارج الاتفاق أو فوقه.
فذلك لا ينتج دولة، وإنما ينتج هدنة مؤقتة بين مراكز النفوذ.
الحل الأمني لا يعني حكم العسكر
وهنا يجب أن تكون الصورة واضحة.
الدعوة إلى المسار الأمني والعسكري
لا تعني الدعوة إلى حكم عسكري، ولا إلى إلغاء الحياة السياسية، ولا إلى استبدال المؤسسات المدنية بالمؤسسة العسكرية.
العكس هو الصحيح.
المؤسسة العسكرية الوطنية هي التي تحمي الدولة المدنية عندما تكون خاضعة للقانون والسلطة الدستورية.
المطلوب ليس دولة يحكمها الجيش، وإنما دولة لا يستطيع أحد أن يحكمها بالسلاح خارج مؤسساتها الشرعية.
وهذا فارق جوهري.
فالجيش الوطني في الدولة الحديثة ليس منافساً للسياسة، بل هو أحد أدوات الدولة لحماية الدستور والحدود والسيادة والنظام العام، وفق القانون وتحت السلطة المدنية الشرعية.
ومن هنا يجب أن يكون الهدف:
جيش وطني موحد، شرطة وطنية موحدة، أجهزة أمنية مهنية موحدة، وسلطة مدنية شرعية واحدة.
لماذا لا تكفي المصالحة وحدها؟
لأن المصالحة بين النخب لا تعني بالضرورة المصالحة بين المجتمعات.
ولأن اتفاق السياسيين لا يضمن بالضرورة التزام المسلحين.
ولأن التوقيع على الورق لا يلغي السلاح الموجود في الشارع.
ولهذا يجب أن تسير المصالحة في ليبيا على ثلاثة مسارات متوازية:
أولاً: المسار السياسي
لبناء الشرعية الدستورية والمؤسسات المنتخبة.
ثانياً: المسار المجتمعي
لإعادة بناء الثقة وجبر الضرر ومعالجة آثار النزاعات والانقسامات.
ثالثاً: المسار الأمني والعسكري
لتوحيد المؤسسات، وضبط السلاح، وإنهاء ازدواجية القوة، وإعادة بناء عقيدة أمنية وعسكرية وطنية.
والخطأ التاريخي هو الاعتقاد بأن أحد هذه المسارات يستطيع أن يعمل وحده.
الجمعية الوطنية التأسيسية:
الحاجة إلى لحظة تأسيس جديدة
إذا كانت ليبيا قد نجحت في الماضي في الانتقال من الجهاد إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى الدستور، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
ألا تحتاج ليبيا إلى لحظة تأسيس وطنية جديدة؟
إنشاء جمعية وطنية تأسيسية ليبية يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الدولة على قاعدة جديدة، شريطة ألا تكون مجرد جسم سياسي إضافي إلى جانب عشرات الأجسام القائمة.
بل يجب أن تكون إطاراً تأسيسياً جامعاً يمثل الليبيين وأقاليمهم ومناطقهم ومكوناتهم الاجتماعية والسياسية، ويعمل على صياغة عقد وطني جديد.
وتكون مهمتها الأساسية:
وضع الأسس الدستورية للدولة.
تثبيت وحدة ليبيا وسيادتها.
الاتفاق على شكل مؤسسات الدولة.
وضع الإطار القانوني لتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية.
تنظيم العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية.
وضع قواعد المصالحة الوطنية وجبر الضرر.
الاتفاق على نظام انتخابي قابل للتطبيق.
الانتقال المنظم من المرحلة الانتقالية إلى الدولة الدستورية المستقرة.
وهنا نصل إلى المعادلة التي ربما تكون أكثر حاجة إليها ليبيا اليوم:
نحن لا نحتاج فقط إلى مصالحة تنهي الماضي؛ بل نحتاج إلى تأسيس يبني المستقبل.
ولا نحتاج فقط إلى تأسيس مؤسسات؛ بل إلى مصالحة تجعل هذه المؤسسات مقبولة لدى الجميع.
وهكذا:
المصالحة بالتأسيس، والتأسيس بالمصالحة.
من السلاح المتعدد إلى القوة الوطنية الواحدة
إن أخطر ما يهدد ليبيا ليس اختلاف الليبيين في آرائهم السياسية.
الاختلاف السياسي طبيعي، بل ضروري.
الخطر الحقيقي هو أن يتحول الاختلاف السياسي إلى قوة مسلحة مستقلة عن الدولة.
فالاختلاف يمكن أن تحله صناديق الاقتراع.
أما السلاح المنفلت فيفرض منطقه الخاص.
ومن هنا فإن بناء الجيش الوطني الموحد ليس قضية عسكرية فحسب، بل هو مشروع سياسي وطني.
إن توحيد المؤسسة العسكرية يعني في جوهره:
توحيد الدولة.
وتوحيد الشرطة يعني:
توحيد سلطة القانون.
وتوحيد القضاء يعني:
توحيد العدالة.
وتوحيد المؤسسات المالية يعني:
توحيد الاقتصاد الوطني.
وهكذا تصبح عملية توحيد المؤسسات عملية واحدة متكاملة، وليست ملفات منفصلة.
قد نكره المسار الأمني... لكننا قد نحتاج إليه
وهنا تعود الآية الكريمة إلى معناها العميق:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
قد يكون الليبيون قد تعبوا من الحرب، وهذا أمر طبيعي.
وقد أصبحوا يرفضون أي حديث عن القوة العسكرية خوفاً من تكرار المآسي.
لكن رفض الحرب لا يعني رفض بناء القوة الوطنية.
بل ربما يكون أكبر ضمان لعدم عودة الحرب هو بناء قوة وطنية واحدة تمنع الآخرين من إشعالها.
فالسلام الحقيقي ليس غياب إطلاق النار فقط.
السلام الحقيقي هو:
أن تصبح الحرب غير ممكنة خارج الدولة.
وهذا لا يتحقق بالنيات الحسنة وحدها.
الخلاصة: ليبيا تحتاج إلى تسوية سياسية محمية بقوة الدولة
إن الدرس الفرنسي لا يقول لليبيين: «اختاروا الحرب».
والدرس الليبي لا يقول: «عودوا إلى زمن الجهاد».
بل كلاهما يقول شيئاً أعمق:
لا يمكن بناء دولة عندما تكون السلطة موزعة بين مؤسسات متنافسة ومراكز قوة مسلحة متعددة.
السياسة ضرورية.
المصالحة ضرورية.
الدستور ضروري.
الانتخابات ضرورية.
لكنها جميعاً تحتاج إلى البيئة الأمنية التي تسمح لها بالعمل.
لذلك فإن الحل الليبي المنشود يجب أن يقوم على تلازم ثلاثة أضلاع:
قوة وطنية شرعية
تُنهي ازدواجية السلاح ومراكز القوة.
1. تسوية سياسية شاملة
تنتج شرعية دستورية ومؤسسات وطنية.
2. مصالحـة وطنية حقيقية
تُعيد بناء الثقة بين الليبيين وتطوي صفحات الصراع دون طمس الحقوق أو إنكار المظالم.
وعندها فقط يمكن أن ننتقل من دولة الهدنة إلى دولة القانون.
ومن دولة التوازنات المسلحة إلى دولة المؤسسات.
ومن ليبيا المنقسمة إلى ليبيا الواحدة.
إن المطلوب اليوم ليس انتصار طرف ليبي على طرف آخر، وإنما انتصار الدولة الليبية على الانقسام نفسه.
ولذلك فإن المسار الأمني والعسكري ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره نقيضاً للحل السياسي، بل باعتباره أحد أعمدته.
فإذا كان هدف السياسة هو بناء الدولة، فإن وظيفة الأمن والعسكر هي حماية الدولة.
وإذا كانت المصالحة هي الطريق إلى تجاوز الماضي، فإن التأسيس هو الطريق إلى بناء المستقبل.
ولهذا يمكن أن يكون شعار المرحلة القادمة:
«المصالحة بالتأسيس... والتأسيس بالمصالحة... والدولة لا تقوم إلا بقوة وطنية تحميها.»
فليبيا لا تحتاج إلى مزيد من التسويات المؤقتة بقدر ما تحتاج إلى لحظة تأسيس وطنية تاريخية؛ لحظة يتفق فيها الليبيون على أن اختلافهم السياسي لا يبرر اختلاف دولتهم، وأن تعدد الآراء حق، أما تعدد الجيوش ومراكز السلاح فليس دولة.
إن بناء الجيش والأمن الوطنيين ليس نهاية الحل السياسي؛ بل قد يكون بداية الحل السياسي الحقيقي.
#الجمعية_الوطنية_التأسيسية
#التأسيس_بالمصالحة_والمصالحة_بالتأسيس
